تتحول النصوص إلى أحداث حية فوق خشبة المسرح وعلى شاشات السينما، وذلك بما توظفه السينوغرافيا من عناصر إبداعية في الديكور والأزياء فضلا عن الاستعانة بالإضاءة، التي تنقل رسائل ضمنية للمشاهد من خلال التفاصيل التي تهتم بها وتجعل العمل أكثر واقعية.
إيناس كبير
تعد الأعمال التاريخية والفانتازيا، بالإضافة إلى الخيال العلمي من أكثر الأصناف التي يختار منتجوها مصممي ديكور وأزياء مبدعين ويتميزون بنظرة فنية لتصميم ساحات المعارك على سبيل المثال، الدروع والسيوف المستخدمة في الحروب، بالإضافة إلى الأزياء التي تكون مقتبسة من صنف العمل وتحتوي على تفاصيل ترمز إلى طبيعة الشخصية التي ترتديها، فضلا عن المركبات، والقصور وغيرها، فيحمل هؤلاء المبدعون مكان التصوير إلى أبعاد زمنية ومكانية أخرى.
ولعل من أبرز الأعمال الرمضانية التي لفتت انتباه المشاهد من خلال السينوغرافيا الخاصة بها المسلسل التاريخي «معاوية» الذي يتناول نشأة الدولة الأموية تحت حكم الخليفة «معاوية بن أبي سفيان» وقد استعان القائمون عليه بالمصمم الإسباني «كروز ريكاردو» الذي صمم كل معارك الفيلم السينمائي العالمي «غلادياتور».
بالإضافة إلى المسلسل السوري «السبع» بطولة الفنانة الجزائرية أمل بشوشة، وباسم ياخور، وأمل عرفة، وعبد المنعم عمايري. يصور العمل المجتمع الغجري بالسمات التي يختص بها سواء في الملابس، أو الماكياج، و»الاكسيسوارات»، وقد أثنى جمهور الشاشة على ظهور أمل بشوشة التي قدمت دور غجرية، حيث رأوا أن الزي والماكياج أبرزا ملامح وجهها الحادة التي جاءت مناسبة للدور.
«السينوغراف» يجب أن يكون فنانا
وبحسب الفنان السينوغرافي المختص في المسرح والسينما، نبيل عبد الوهاب، فإن فن الأداء أو ما يعرف باللغة الأجنبية «كوس بلاي» هو مزيج بين كلمتي «الزي» وتمثيل اللعب» الذي يعني تجسيد الشخصيات الخيالية من خلال ارتداء أزياء و»إكسيسوارت» تحاكي المظهر والسلوك مضيفا، أنه يرتبط غالبا بـ»الأنمي»، و»المانغا»، والألعاب الإلكترونية، بالإضافة إلى الأفلام والمسلسلات التي تحتوي على شخصيات تاريخية وأسطورية.
وقد أدرك عبد الوهاب، من خلال خبرته الفنية أنه يجب الاهتمام بالديكور الملائم لتمثيل المشهد بالإضافة إلى الإضاءة وكل ما يجري في فلك النص المسرحي أو السينمائي، وكذا عناصر أخرى ذكر بأنها ضرورية في تقديم الأحداث مثل رمزية الزي، الحقبة التاريخية، والهوية، خصوصا في تفاصيل الأزياء والدروع، لأن اللباس بحسبه، يعبر عن هوية البلد والحقبة التاريخية التي يسردها النص.
وأوضح، أن مجال الإكسيسوار والأزياء في السينما العالمية أصبح يركز على التفاصيل، خصوصا وأن تصميم الألبسة تحول إلى موضة وبالأخص لدى الشباب المهتمين بالسينما، الذين أصبحوا يقتبسون من الأعمال التي يشاهدونها خصوصا «الأنمي» و»المانغا»، أو مثلما حصل مع سلسلة الفانتازيا الشهيرة «صراع العروش» التي قدمتها شركة الإنتاج العالمية «إيتش بي أو»، حيث أعيد تصميم تيجان ارتداها الملوك الذين ظهروا في العمل، وخواتم، وكذا سلاسل على شكل تنين وهو رمز إحدى العائلات المالكة في المسلسل، وهذا خلفا لما كان عليه الأمر في السابق. فالمشاهد لم يكن حسبه، يركز كثيرا مع هذه التفاصيل ولا ينجذب إليها بل ينتهي ارتباطه بالعمل مع آخر حلقاته، وذكر في هذا السياق أن الدروع التي كانت تتسم بالبساطة سابقا تطورت حاليا وأصبحت أكثر جمالية وإبداعا.
أما بالنسبة له كسينوغراف، فقال إنه فيستوحي تصاميمه من الأفلام الهوليودية، وفي هذا الجانب لفت إلى أن السينوغراف يجب أن يتغذى بصريا، وينوع في الأعمال التي يشاهدها من التاريخ إلى الخيال العلمي وغيرها، حتى يستطيع التعرف على التفاصيل الجديدة الموظفة فيها ويقتبس منها، وعن أهم أعماله ذكر بأنها كانت دروعا من وحي خياله صنعها من مادة «الكرتون».
مجال السينوغرافيا يتبع التطورات الحاصلة
وعن المهارات التي يجب أن يتقنها السينوغراف ليكون مبدعا في عمله، أشار نبيل عبد الوهاب، إلى الثراء الثقافي خصوصا في مجال التاريخ، وأن يكون باحثا ويُحَيَّن معلوماته بشكل يومي، بالإضافة إلى الاطلاع على آخر المستجدات في المجال حتى يستطيع تخريج أعمال جديدة تكون بأسلوبه الخاص.
وذكر، ضرورة تمتعه بمهارة فنية مثل الرسم، ليتمكن من تجسيد التفاصيل التي توصل المعنى للمتلقي. وفي هذا الجانب أوضح أن الفنان السينوغرافي يجب أن يكون على دراية بالعمل الذي يصممه لأن أسلوب السينما يختلف عن المسرح، فالأول يهتم بالتفاصيل الدقيقة وقريب جدا من الواقعية التي تلفت المتفرج، خصوصا في الأعمال التاريخية والخيال العلمي، أين يسبح بمخيلته داخل تفاصيل العمل من ديكورات وأزياء وسيميائية الإضاءة. أما المسرح فإنه يلتزم بما جاء في النص فضلا عن الاهتمام بالجماليات التشكيلية وكذا الإضاءة، ويضيف الفنان السينوغرافي، أن تقنيات هذا المجال كثيرة ومتنوعة، لذلك يجب على من يريد الغوص فيه الاطلاع عليها.وبخصوص المواد التي يستخدمها في عمله، ذكر أنه انتقل إلى المواد الطبيعية، مثل الجلد، الحديد، والنحاس، والحطب، بالإضافة إلى «البلاستيك»، كما تحدث عن مادة من المطاط تساعده كثيرا في إنجاز التصاميم، ولو أن الحصول على المواد الأولية يعد تحديا بالنسبة للسينوغرافيين في الجزائر حسبه، خصوصا في السنوات الأخيرة.وأوضح، بأن المادة تغيب نوعا ما في الأسواق خصوصا مادة النحاس لذلك يحاولون كفنانين توظيف أبسط الأمور لتجسيد أفكارهم، وقد دعا إلى توفير التسهيلات اللازمة لهم والإمكانيات التي يحتاجونها، خصوصا وأنه يطمح مستقبلا إلى تصميم درع مصنوعة من الجلد وبدقة عالية، ترمز إلى أمازيغ شمال إفريقيا وبالتحديد حقبة النوميديين، فقد تمزيت هذه الدولة وفقا له بامتلاك جيش نظامي، وخاضت الدولة عدة معارك مع الرومان.كما تطرق محدثنا، إلى التطورات الحديثة الحاصلة في مجال السينوغرافيا خصوصا في الدول الغربية مثل الاعتماد على تقنية «الهولوغرام»، والتصاميم ثلاثية الأبعاد، فضلا عن توظيف التكنولوجيا لأن الفن مرتبط بتأثيراتها التي تساعده كثيرا في تجسيد الافكار الإبداعية بالإضافة إلى خلقها ما يعرف بالمسرح السينمائي. إ.ك