عرفت صناعة الحلويات التقليدية تطورا كبيرا في السنوات الأخيرة خصوصا من ناحية طريقة التزيين والتقديم، فصارت قطع الحلوى تشبه إلى حد كبير تحفا فنيا صغيرة تصلح للديكور و الأكل معا، و يعود ذلك إلى توفر العديد من العناصر الصناعية التي تدخل في عملية الإعداد والتزيين، مثل المضافات، و الملونات، و الورود المجففة و الأحجار البراقة، والملمع الغذائي و الريش وغيرها، من التفاصيل التي يحذر مختصون من تأثيرها على الصحة لجهل المستهلكين بمكوناتها.
لينة دلول
ألوان زاهية ومواد متنوعة
تشهد تجارة مواد صناعة الحلويات مع اقتراب عيد الفطر، انتعاشا ملحوظا، حيث يتزايد الطلب عليها مقارنة بالعديد من السلع الأخرى، ما يجعلها مصدر ربح أساسي للعديد من التجار، وللوقوف على واقع هذه التجارة، قامت النصر، بجولة ميدانية إلى بعض نقاط البيع بولاية قسنطينة.
كانت البداية من حي علي منجلي، وتحديدا الوحدة الجوارية 5، حيث لفت انتباهنا التنوع الكبير في المنتجات المعروضة، كما أن أكثر ما لاحظناه عند زيارتنا لهذه المحلات هو تشابهها الكبير مع متاجر بيع طلاء المنازل ومستحضرات التجميل، حيث تصطف العبوات بألوان زاهية وأحجام مختلفة، بدءا من أنواع جديدة من الشوكولاطة والملونات الغذائية، وصولا إلى محسنات الطعم ومكثفات النكهات الاصطناعية.
ويعكس التنوع حسب تجار، مدى توسع سوق هذه المنتجات لمواكبة متطلبات الزبائن، الذين يبحثون عن مكونات تضفي لمسة احترافية على حلوياتهم المنزلية.
ويبدو بحسب ما وقفنا عليه، أن سوق مستلزمات الحلويات تشهد دخول مواد جديدة تستهدف تزيين الحلويات بطريقة أكثر احترافية، على غرار «قلاصاج القطيفة»، وهو نوع من الطلاء يشبه القماش الذي يحمل نفس الاسم، يباع في عبوات صغيرة شبيهة بقارورات مزيل العرق، ويرش على الحلويات بعد تحضيرها لمنحها مظهرا مميزا.
تتوفر في الأسواق إلى جانب ذلك، عجائن بنكهات الفواكه المختلفة، ومواد تزيين مبتكرة بأشكال وألوان متعددة، و منكهات خاصة بالحلويات، إضافة إلى ملمعات بألوان البرونز، والذهب، والنحاس، وتمنح الحلويات لمسة فاخرة.
ورغم الأسعار المرتفعة التي رصدناها، إلا أن الإقبال على هذه المنتجات لا يزال كبيرا، حيث أكد لنا بعض الزبائن أن نجاح الوصفة هو الأهم بالنسبة للزبونات، حتى لو كلفهن ذلك دفع مبالغ إضافية.
وعلقت إحدى السيدات : «المهم أن تكون النتيجة مثالية، خاصة أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت تضع معايير محددة لجمال الحلويات ومذاقها»، في إشارة إلى تأثير الوصفات المنتشرة على الإنترنت في تغيير سلوكيات الاستهلاك.
وحسب ما ذهب إليه تجار، فإن مواقع التواصل الاجتماعي لعبت دورا محوريا في توجيه أنماط الاستهلاك، حيث أصبحت وصفات الحلويات الجديدة منتشرة بكثرة، ما دفع العديد إلى تجربتها حتى لو تطلب الأمر شراء مكونات غير مألوفة، كما قال لنا أحد التجار إن بعض المنتجات لم تكن معروفة سابقا، لكنها أصبحت مطلوبة بعدما ظهرت على قنوات اليوتيوب ومنشورات الفيسبوك.
إقبال رغم المخاطر الصحية
لفتت انتباهنا منتجات بعينها، تشمل مواد لم تكن معروفة من قبل توجهنا إلى أحد الرفوف وحملنا عبوة ملون غذائي بدت أشبه بعبوة حبر سألنا البائع عن سعرها فأخبرنا أنه 800 دينار، وأنها مستوردة من تركيا.
عند تفحص بطاقة المعلومات المرفقة داخل العبوة، وجدنا تفاصيل دقيقة حول مكوناتها، وطريقة استخدامها، والتحذيرات الصحية المتعلقة بها خاصة تأثيرها على الأطفال، ورغم ذلك لاحظنا أن الزبونات يقتنينها دون أدنى اهتمام بقراءة هذه المعلومات.
أخبرنا رستم بائع بمحل لمواد صناعة الحلويات، أن الزبائن يبحثون عن كل ما هو جديد لمجاراة موضة الحلويات المنتشرة عبر الإنترنت، مشيرا إلى أن العديد منهم يشترون المكونات دون التحقق من مصدرها أو معرفة تأثيرها الصحي.
كما وجدنا أن أغلب منتجات تزيين الحلويات، تحتوي على مكونات صناعية تحمل أسماء معقدة قد لا يدرك المستهلك طبيعتها، و تأثيرها الحقيقي على الصحة.
من بين هذه المكونات نجد شراب الغلوكوز، ونشاء الذرة، والغليسيرين، والمواد الحافظة «E202»، والملونات الغذائية «E122»، و «E150»، «E171»، والزيت النباتي المهدرج، والنكهات الصناعية، والتيلوز، ومحمضات مثل حمض السيتريك، والصمغ وغيرها.
ولدى قيامنا ببحث للتحقق من طبيعة هذه المواد وملاءمتها للاستهلاك، وجدنا أنها تثير العديد من التساؤلات حول السلامة الصحية، خاصة عند استهلاكها بكميات كبيرة.
يعرف E122 مثلا، بأنه ملون غذائي قد يسبب ردود فعل تحسسية لدى بعض الأشخاص، في حين أن E171 ثاني أكسيد التيتانيوم محظور في بعض الدول الأوروبية بسبب الشكوك حول تأثيراته السلبية على الصحة.
أما الزيوت النباتية المهدرجة، فتعتبر عاملا رئيسيا في رفع نسبة الكوليسترول الضار، مما قد يؤدي إلى مشاكل صحية طويلة الأمد.
أخصائية التغذية بتول بوكراع
الملونات الغذائية والمنكهات الصناعية خطر غير مرئي
حذرت أخصائية التغذية الناشطة بالمصحة الدولية بقسنطينة، بتول بوكراع، من خطورة بعض المكونات المستخدمة في مواد صناعة الحلويات، مؤكدة أن الجسم لا يتفاعل معها بشكل طبيعي، مما يؤدي إلى تراكمها في الأعضاء الداخلية، وقد يتسبب ذلك في مشاكل صحية مزمنة أو حتى حالات تسمم غذائي عند استهلاكها بكميات كبيرة.
وأوضحت الأخصائية، أن الملونات و المنكهات الغذائية المستخدمة في هذه المنتجات تصنف إلى أنواع مختلفة، حيث كانت ترمز قبلا بـ SIN متبوعة برقم، لكنها الآن تعرف بـ E متبوعة برقم معين.
وأكدت بوكراع، أن بعض هذه المواد ذو مصدر طبيعي، بينما هناك أخرى مصنعة كيميائيا وتشكل خطرا على الصحة، مشيرة إلى أن اللون الأزرق يعتبر من أكثر الألوان الصناعية ضررا وينصح بتجنبه تماما، أما بالنسبة للمنكهات، فقد أوضحت أنه يمكن أن يكون لبعضها تركيز طبيعي، إلا أن أغلبها صناعي ومليء بالمواد الكيميائية التي قد تكون لها تأثيرات سلبية على الصحة على المدى الطويل.
وفيما يتعلق بمنتج «قلاصاج « المستخدم لتغطية الحلويات، نصحت الأخصائية باختيار اللون الأبيض كونه أقل ضررا مقارنة بالألوان الأخرى المضافة إليه.
احذروا الزيوت المهدرجة
كما شددت بوكراع، على خطورة الزيوت النباتية المهدرجة، التي تدخل في تركيب العديد من المنتجات، مؤكدة أنها تسبب مشاكل صحية خطيرة خاصة على الجهاز الهضمي، حيث تؤثر بشكل مباشر على الأشخاص الذين يعانون من أمراض الكبد والمرارة، إذ تعيق عمليات الهضم وتضعف وظائف هذه الأعضاء الحيوية.
وأضافت الأخصائية، أن أخطر ما في هذه المكونات هو تأثيرها التراكمي على الجسم، حيث إن الكبد باعتباره العضو المسؤول عن تنقية الجسم من السموم، يكون أول المتضررين متبوعا بالكلى التي قد تعجز عن إتمام عملية التصفية بالكامل، مما يؤدي إلى تراكم هذه السموم في الجسم فتسبب مشاكل صحية خطيرة على المدى الطويل، خاصة على مستوى المرارة. وأكدت المتحدثة، أن الأطفال هم الأكثر تضررا، نظرا لحساسيتهم تجاه هذه المواد، مشيرة إلى أن الاستهلاك المتكرر لمثل هذه المنتجات قد يؤدي إلى اضطرابات في النمو، وضعف المناعة، وزيادة خطر الإصابة بالأمراض المزمنة مستقبلا.
أما فيما يخص وعي المستهلك الجزائري، أوضحت الأخصائية أن هناك نقصا كبيرا في الوعي حول مخاطر هذه المكونات، مشيرة إلى أن انتشار بعض الألوان الجديدة في الحلويات، مثل اللون الأخضر الفاتح المستخدم في «حلويات البيستاش»، ويعكس مدى تأثر المستهلكين بالموضة الغذائية دون الانتباه إلى تأثيراتها الصحية.
وأكدت الأخصائية، أن جميع المواد الصناعية المستخدمة في هذه المنتجات غير آمنة، لأنها منتجات كيميائية مصنعة وليست طبيعية، داعية المستهلكين إلى اللجوء إلى البدائل الطبيعية مثل استخدام الألوان الطبيعية المستخرجة من الفواكه والخضروات، والحد من استهلاك المواد المضافة الصناعية، حفاظا على الصحة العامة، وخاصة صحة الأطفال.