الأحد 6 أفريل 2025 الموافق لـ 7 شوال 1446
Accueil Top Pub

في غياب التوثيق: وصفات «دخيلة» تقحم في المطبخ القسنطيني

يحتل المطبخ التقليدي القسنطيني مكانة مرموقة كأحد أفضل وأرقى المطابخ المحلية، بثراء وتميز فريد من نوعه يتهدده اليوم ميل إلى العصرنة و تحريف لبعض التسميات والوصفات، يعتبره مختصون في التراث والطبخ التقليدي، تعديا على موروث المدينة الذي يعد مزيجا بين أذواق محلية، ووصفات عثمانية، وعبقرية أندلسية لم تنصفها الذاكرة الجمعية.

يشهد المطبخ القسنطيني خلال السنوات الأخيرة شهرة كبيرة وسط الجزائريين بشكل خاص، في ظل انتشار أطباقه التقليدية على نطاق واسع بين أشخاص يسعون لتجربتها والاستمتاع بلذتها وتذوق مأكولات، وسط حديث متكرر عن عراقة وأصالة موروث تنفرد به مدينة الجسور الملعقة. لتخرج شباح السفرة اليوم من بيوت «البرجوازيين» القسنطينيين إلى بيوت العامة، ومنها إلى كل بيت جزائري، أين أصبحت تشكل بصمة للرقي والرفاه في المناسبات السعيدة وحتى خلال شهر رمضان.
وبين من ينقل التاريخ والموروث الثقافي كما هو، و من يتعمد التحريف أوإدخال تعديلات وإضافات جديدة بحجة العصرنة، تروى قصصا مختلفة عن بعض الوصفات، وتتضارب الروايات حول أخرى، ويرى مختصون في التراث الثقافي القسنطيني والمطبخ التقليدي القسنطيني تحديدا، أن كل قصة غير حقيقية هي مساس بالتاريخ وتشويه للموروث.
* الماستر شاف نصيرة فصيح
تغييرات طالت موروثنا ولا بد من دليل موثوق

تقول سيدة المطبخ التقليدي القسنطيني، الماستر شاف نصيرة فصيح، إن تغييرات كثيرة وصفتها بـ «الخطيرة» طالت بعض الأطباق القسنطينية القديمة، سواء فيما يتعلق بالتسمية أو الأصل، أو حتى المكونات.
موضحة، أن قسنطينة كانت معروفة بطاجين العين وشباح السفرة، وأن « الشباح» لم تكن متاحة للعامة وإنما «للبرجوازيين» فقط، منتقدة تغيير مكوناتها. كما تحدثت عن بعض التسميات التي وصفتها بـ « الدخيلة» مثل «طاجين الباي»، «وطاجين العازب»، وقالت إنها لا يمكن أن تكون من نتاج المطبخ المحلي،لأن الكلمة الثانية غير مقبولة في المجتمع القسنطيني ومن غير الممكن أن يسمى طبق تقليدي بهذا الاسم.
وأضافت الشاف فصيح، أن هناك وصفات لا تنتمي أبدا إلى المطبخ التراثي القسنطيني على غرار طاجين «بن باكير»، الذي أكدت أنه لم يكن موجودا من الأساس، على اعتبار أن الباي لم يكن له طباخون خاصون وإنما، كانت والدته هي من تطبخ طعامه خوفا على حياته.
موضحة، أن أكل البايات خاص ويعتمد على اللحم، كما نفت وجود ما يعرف اليوم بطاجين «المقايس» وحتى طاجين «الملوك» الذي يصنع من كرموس محشو بالجوز، معتبرة إياها وصفات جديدة مبتكرة.
التنويع لا يصوغ المساس بالتراث
وحسب الماستر شاف نصيرة فصيح، فإن هناك وصفات ابتكرها أناس عاديون و نسبوها إلى الموروث القسنطيني، بحجة أنها أطباق منسية يسعون للتذكير بها.
مشيرة، إلى أن هناك عددا من الوصفات الجديدة، التي لم تكن معروفة يوما في المدينة ولا علاقة لها بمطبخها. كما تحدثت عن أطباق أخرى تعتبر دخيلة على المطبخ القسنطيني إلا أنها تجدرت فيه منذ القدم وأصبحت تنسب إليه كطبق «تريدة الموس» القادمة من تونس، من الحكم الموحدي، و»القريتلية» الطبق اليوناني الذي اشتهر في القل ثم قسنطينة.

ودعت المختصين في التراث القسنطيني، والباحثين للتدخل والحديث عن المطبخ التراثي القسنطيني، ووضع حد لمن قالت إنهم يعملون على تشويه التاريخ من باب الطبخ، ومشيرة إلى أن التنويع مهم ومفيد لكنه لا يصوغ المساس بالتراث، الذي بعكس بعض الوصفات الدخيلة، يتوفر على وصفات تقليدية مهمو ومنسية مثل « التخيطنة، والخمورية، والتربية».
* المختص في التراث أكرم رسيم باي
مذكرات الباي أحمد تسقط كل الادعاءات

أكد المختص في التراث القسنطيني وأستاذ التكوين المهني أكرم رسيم محمد صالح باي، أن بعض الأطباق التي تم نسبها لقسنطينة خلال السنوات الأخيرة، لا مرجع لها في التراث القسنطيني.
موضحا، أنه لا وجود لشيء اسمه طاجين «البريق»، وقال إنه من غير المنطقي أن يسمى طبق في قسنطينة باسم «طاجين العازب»، لأن الكلمة تحمل دلالة سلبية محليا، مؤكدا أن كل هذه الإدعاءات تسقط بمجرد العودة إلى مذكرات الباي أحمد، التي تقدم الكثير من المعلومات عن التراث، على اعتبرا أن كل هذه الوصفات الدخيلة باتت تنسب إليه وإلى مطبخ قصره.
وقال، إنه وجب الوعي بخطرة تحريف التراث، لأن ذلك سوف يمهد ويسهل سرقته لاحقا، مشيرا إلى أن طبق «شباح السفرة» مثلا ينتمي إلى السفرة السلطانية، التي تتكون وصفاتها من اللحم، والعسل، والقرفة، وماء الورد، وأي نوع من الفاكهة كالتفاح، والسفرجل، والبرقوق، واللوز.
ومن بين الطواجن التي تعرف بها « شباح السفرة باللوز»، و طاجين «الجوزي»، أو «شباح الجوز»، و»طاجين المنشية»، و»طاجين السفرجل»، و «طاجين بوعويدة»، و» طاجين التفاح»،و « الطبيخ».
قصص مفبركة وسعي وراء الشهرة على التراث

وأضاف المتحدث، أن تغيير أسماء الكثير من الأطباق من أجل التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي غير مقبلو، خصوصا وأن ذلك يتم بحجة تطوير الأطباق التقليدية وعرضها بطريقة عصرية.
و تحدث، عن أسماء غير موجودة في أرشيف المطبخ القسنطيني مثل «فطاجين السلطاني» أصبح يسمى «الباي»، و «طاجين الزين» وهو من السفرة السلطانية صار «طاجين العازب»، موضحا أن طاجين «الزين» يشبه طاجين «البنين» العاصمي القديم، مع اختلاف بسيط فالوصفة القسنطينية تكون حلوة، وهي عبارة عن خليط لحم مع الجوز واللوز والبندق، ولا وجود للفستق في المطبخ القسنطيني القديم أصلا.
وعن قصة موني خادمة القصر، التي تنسب إليها عديدة الوصفات، أوضح المهتم بالتراث وأستاذ التكوين المهني، أنها شخصية وهمية، أن والدة الباي هي من كانت تحضر طعامه لحمايته.
وذكر مقابل ذلك، «مرزوق» صديق الباي، الذي اشتغل «قهواجي» في القصر وكان أول من يتذوق الطعام ، وهذا ما هو مدون في أرشيف ومذكرات الباي أحمد آخر بايات قسنطينة.وعن السبب وراء الانتشار الواسع لطبق شباح السفرة خلال السنوات الأخيرة، أعتبر المتحدث، أن لذلك علاقة بحكاية «عيشة باية»، على الرغم من أن أصل الطبق أندلسي، وتم ذكر ذلك في المخطوطات الخاصة بالطبخ، ويعرف أيضا باسم «القاهرية» ولا يزال يحضر إلى اليوم في إسبانيا.
نقص التوثيق سهل التحريف

وأكد، أن كل الأطباق التي توضع على السفرة السلطانية تعتبر أطباقا تقليدية قديمة جدا، ولكل طاجين أوطبق مناسبة معينة، إلا أن تباين مستوى المعيشة كان حائلا دون رواج تحضيرها في كل البيوت.
كما اعتبر ذات السبب، مؤثرا في بروز أطباق وزوال أخرى، مشيرا إلى طبق المنشية «طاجين الجوز»، الذي لم يعد معروفا لدى العائلات القسنطينية، كما أن شباح السفرة لم تكن متاحة للجميع، وارتبط تحضير الوصفة بالمناسبات السعيدة فقط. متحدثا أيضا، عن لمسة كل عائلة من عائلات قسنطينة العريقة في تحضير أطباقها كعائلة بن جلول، وبن شريف، وبن عشوب، وبن الشيخ لفقون، وبشتارزي وغيرها.
وقال، إنه ما يتوفر من معلومات تم تناقله عن طريق المشافهة، وذلك لغياب مراجع تقدم التفصيل الدقيقة حول هذا التراث، مشيرا إلى وجود وصفات قديمة نسيت تقريبا مثل « البلوزة، والمنشية، وطاجين خداوج، وطاجين الزين، وطاجين المرايات، وطاجين المبطن، وطاجين البرانس، وطاجين السجاج، والمجبور وغيرها».
كما ذكر، «طاجين حاجب وعوينة»، الذي لا يعتبر قديما وإنما كان يعرف بـ «طاجين القايد» أو «طاجين المدقوق» أو «طاجين عيون السبنيوليا» وهي أسماء متعددة لطبق واحد.
وانتقد التعليقات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حول أصل الأطباق القسنطينية التي ينسب الكثير منها للدولة العثمانية، في حين أن المطبخ العثماني وريث المطبخ الأندلسي، وهو ما يفسر تأثر المطبخ القسنطيني بالمطبخ الأندلسي الذي ساهم في إثراء جميع مطابخ العالم. داعيا، إلى ضرورة الإطلاع على التاريخ والتعرف عليه دون إنكار فضل الأندلسيين في تطوير المطبخ الجزائري ككل.
إيمان زياري

آخر الأخبار

Articles Side Pub
Articles Bottom Pub
جريدة النصر الإلكترونية

تأسست جريدة "النصر" في 27 نوفمبر 1908م ، وأممت في 18 سبتمبر 1963م. 
عربت جزئيا في 5 يوليو 1971م (صفحتان)، ثم تعربت كليًا في 1 يناير 1972م. كانت النصر تمتلك مطبعة منذ 1928م حتى 1990م. أصبحت جريدة يومية توزع وتطبع في جميع أنحاء الوطن، من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.

عن النصر  اتصل بنا 

 

اتصل بنا

المنطقة الصناعية "بالما" 24 فيفري 1956
قسنطينة - الجزائر
قسم التحرير
قسم الإشهار
(+213) (0) 31 60 70 78 (+213) (0) 31 60 70 82
(+213) (0) 31 60 70 77 (+213) (0) 6 60 37 60 00
annasr.journal@gmail.com pub@annasronline.com