يبدع المصور الفلكي، وعضو الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك الشاب مصطفى بن قسمية، في التقاط صور لظواهر فلكية وأجرام سماوية، وقد استطاعت صوره أن تحوز على إعجاب آلاف متابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، وتلفت انتباههم إلى مجال الفلك لاسيما وأنه ينشر أيضا معلومات علمية حول الكواكب والسديم، والنجوم التي يرصدها.
إيناس كبير
ويقرب المصور الفلكي الشاب صورة الفضاء إلى المتابع، ليفتح عينيه على تفاصيل كونية بديعة، وظواهر بعضها رُصد لأول مرة، فقد أصبح حسابه على "إنستغرام" معرضا كونيا تمتزج فيه الصورة بعلوم الفضاء فنال بذلك اهتمام الفضوليين والراغبين في التعرف على أسرار الكون، كما يحاول من خلال المعلومات التي ينشرها تصحيح النظرة الخاطئة عن هذا المجال، خصوصا وأن الأغلبية وفقا له، تربطه بالتنجيم وخرافات بعيدة عن المنطق العلمي.
كما يرى مصطفى، بأن الجزائر تعد وجهة جيدة لهواة التصوير الفلكي لما تحظى به من أماكن استراتيجية تساعد على الرصد والتوثيق، وهو ما يجعلها منطقة مهمة لإنشاء مراصد فلكية تقدم مساهمات في البحث العلمي والاكتشافات الفلكية.
الملاحة السماوية أهم مهارة لإتقان التصوير الفلكي
بدأ اهتمام مصطفى بالتصوير الفلكي وعلوم الفضاء عموما في سن صغيرة، وقد انطلق في رحلة تكوينه بقراءة المقالات العلمية، والاطلاع على أوراق بحثية، وبمرور الوقت زاد تأثره بالمجال وتحول للتعمق أكثر في جانبه التطبيقي، وبالتحديد الاطلاع على التصوير الفلكي، فضلا عن السعي خلف الإجابة على سؤال "هل الأجرام السماوية التي نراها بالعين المجردة يمكن تصويرها؟"، ومن خلال التدرب وتطوير المهارات أصبح قادرا بنفسه على التقاط صورة مبهرة لها و لغيرها من المصابيح التي تزين الفضاء الفسيح.
أما عن الأسلوب الذي اعتمده في التعلم فقال المصور الفلكي، إنه وجد في الإنترنت مصدرا غنيا بالكتب والمقالات العلمية، فضلا عن الفيديوهات على "يوتيوب"، و"البودكاست"، وكان أول ما اطلع عليه تعلم الملاحة السماوية أو الرصد الفلكي، وأوضح مصطفى بأن هذه المرحلة تعد خطوة مهمة اعتُمدت منذ مئات السنين، للتعرف على الأجرام السماوية والكواكب التي يمكن رصدها بالعين المجردة فقط، بعدها تبدأ مرحلة تصويرها وتتطلب هذه العملية وفقا لما ذكره، عتاد تصوير خاص يتمثل في عدسات التصوير و "الكاميرا" و "التيليسكوبات".
والتصوير الفلكي، وفقا لمحدثنا وهو عضو في الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك، لا يعد عملية صعبا سواء من جانب التعلم أو الممارسة، وإنما تكمن الصعوبة في جانب اقتناء العتاد الخاص والأجهزة التي تكون باهظة الثمن ولا يمكن لطالب جامعي، أو صاحب دخل متوسط الحصول عليها، وأشار على وجه الخصوص إلى أجهزة التتبع التي تتحرك مع حركة كوكب الأرض، وتساعد على تتبع الأجرام السماوية، ولهذا السبب أصبح الشاب يصنع عتاده بنفسه في المنزل، وساعده في ذلك اهتمامه بمجال "الإلكترونيك"، وانغماسه في مجتمع الأعمال اليدوية ليصنع جهاز تتبع خاص سهل من مهمته في الرصد الفلكي.
كما تتطلب البراعة في مجال الفضاء وعلم الفلك كما أضاف أيضا، مجموعة من المهارات، أشار مصطفى إلى أن أهمها بناء ثقافة عامة حول مختلف فروع المجال، مثل فيزياء الفلك وكيمياء الفلك.
هذه هي أشهر وأجمل صورة فلكية التقطتها
ولرصد ظاهرة فلكية بشكل جيد يجب جمع بيانات وتوفر معلومات كافية حول الجرم السماوي، وفقا لما ذكره المصور، سواء كان مجرة أو سديما أو كوكبا، أو كويكبا أو حتى مذنبا، ثم تحديد موقعه في السماء إن كان قريبا أو بعيدا، وذلك لضبط المدة التي يجب أن يقضيها المصور الفلكي في الخارج.
وفي هذا السياق، أوضح مصطفى، أن الحرص على الوقت يعد عاملا مهما لالتقاط صورة جميلة، فيجب وفقا لما شرحه، معرفة توقيت حدوث الظاهرة بالساعة والدقيقة والثانية، ثم تعديل إعدادات آلة التصوير، أو "التلسكوب"، وشرح أنها تختلف حسب نوعية الظاهرة قائلا: "توجد أجرام يجب خفض إعدادات الإضاءة عند التوثيق لها، بينما تكون أخرى أصلا خافتة لذلك يجب تكديس الضوء لمدة طويلة من أجل الحصول على صورة لها".
وعن أشهر ظاهرة فلكية التقطها أفاد المصور الفلكي مصطفى بن قسمية، بأنها كانت لمجموعة من السدم الجزيئية التي تتكون من "الهيدروجين" و"الهيليوم"، أو ما يُعرف بالسحب الجزيئية التقطها في صورة واحدة.
وعبر المتحدث، أن الشيء الجميل فيها هو استحالة رؤية تفاصيلها بالعين المجردة بل باستخدام عتاد خاص، كآلات تصوير معدلة فلكيا تُنزع منها بعض المواد التي تمنع وصول ضوء الغازات التي لا يمكن رصدها بالعين المجردة، ووصف الصورة أنها تشبه تقريبا ما نراه في السماء عند تواجد السحب، لكن في هذه الحالة تكون في الفضاء وتُسمى الظاهرة بالحاضنة النجمية لأن النجوم تتجمع في تلك المنطقة.
وعن أجمل صورة التقطها، قال إنها تعود للسحاب الجبار الجزيئي الذي يبعد عن الأرض حوالي 1400 سنة ضوئية، مضيفا بأنها حازت أيضا على إعجاب كثير من المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي.
وعن مميزات مجال علم الفلك، لخصها المصور الفلكي في المثل القائل "عندما تكثر لدينا المشاكل في الأسفل دائما ننظر إلى أعلى"، مردفا "انطلاقا من دلالة هذا المثل أقول النظر إلى النجوم لوحده، يولد شعورا جيدا فما بالك بدارسة الكون والاقتراب منه دون لمسه".
الأغلبية تخلط بين علم الفلك والتنجيم
ومثلما لعلم الفلك مزايا وجماليات، تحفه أيضا عراقيل تصعب من ممارسة التصوير، وقد قسمها الشاب إلى صعوبات طبيعية وغير طبيعية، أولها غياب الدعم المادي في مقابل غلاء العتاد الخاص بالتصوير والرصد، أما المشكل الآخر فهو التلوث الضوئي، الذي يرى المتحدث، بأنه من أكبر العوائق التي تواجه المصور الفلكي، فلا يمكن وفقا له التصوير في مكان توجد به إضاءة كبيرة، الأمر الذي يجبر المصور على التنقل إلى أماكن بعيدة عن المدينة، وعقب قائلا :"لهذا نجد أغلب المراصد الفلكية تتمركز في الصحراء لأن الضوء لا يكون بالحدة نفسها كما في المدينة".
ومن المصاعب التي تطرق إليها أيضا، إلزامية البقاء لساعات متأخرة من الليل في الخارج، لأن الأجرام السماوية تظهر في ذلك الوقت.
وفي سياق متصل، وصف المصور الفلكي وعضو الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك مصطفى بن قسمية، الجزائر بكونها واحدة من بين أفضل الأماكن التي يُمارس فيها هذا النشاط، حيث تملك أماكن يمكن الاستثمار فيها لإنشاء مراصد فلكية تساهم بشكل كبير في البحث العلمي والاكتشاف في ميدان علم الفلك.
وبالرغم من عدم حصول علم الفلك على الاهتمام الكافي في الجزائر، خصوصا وأن التوجه نحوه يعد حديثا نوعا ما، إلا أن مصطفى أكد على تواجد جمعيات ومؤسسات تبذل مجهودات كبيرة لنشر هذه الثقافة، من خلال ما تقدمه من أنشطة للأطفال والشباب كالمحاضرات و المعارض العلمية، وجلسات الرصد الفلكية، و التي تساعد في ترسيخ البحث العلمي وتبني الناشئة لتوجه معرفي مختلف في مرحلة مبكرة من التعليم، كما تجعل الأولياء قادرين على تأطير مواهب أبنائهم الفضوليين، الذي يمكنهم مستقبلا تقديم مساهمات علمية كبيرة.
كما يرى مصطفى، أنه أصبح من الضروري تكوين معارف في المجال، خصوصا مع انتشار مغالطات عديدة عنه تربطه بالتنجيم والخرافات، وقد اعتبرها خطيرة، خصوصا وأن الأغلبية لا تميز بين ما هو علمي وما هو من وحي الخيال والخرافات التي تنتشر كالفطريات على مواقع التواصل الاجتماعي، وعقب المتحدث، بأن هذه الممارسات والخلط بين المفاهيم من شأنها أن تُفقد المجال قيمته الحقيقية.
إ.ك