يشارك تلاميذ متفوقون في شهادتي التعليم المتوسط والبكالوريا، تجاربهم في المراجعة مع أقرانهم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ومع بداية العد التنازلي لامتحانات الفصل الأول، تصبح صفحات وحسابات هؤلاء النجباء مرجعية لتلاميذ آخرين يبحثون عن " الوصفة السحرية" للنجاح ويعتبرون تجربة غيرهم ملهمة وخطة قابلة للتعميم، وهي استراتيجية خاطئة حسب مختصين في التربية، يحذرون من تأثير المحتوى التعليمي غير المتخصص على تحصيل التلاميذ، و مدى التزامهم بالمراجعة الفعلية و المنهجية الصحيحة، ويقترحون حلولا.
تعد امتحانات التعليم المتوسط والبكالوريا، مرحلة مصيرية في حياة التلميذ، ويزيد القلق مع اقتراب الاختبار الفصلي الأول، أين يبحث متمدرسون عن نماذج سابقة يمكن أن تساعدهم على تحقيق أفضل النتائج، من خلال استنساخ خطة تحضيرية تمكنهم من اجتياز الامتحان وبحوزتهم كل المعلومات اللازمة، فضلا عن تتبع منهجية الإجابة التي تعد بمثابة خارطة طريق نحو معدلات تتيح لهم اختيار الشعبة أو التخصص المرغوبين.
ومع تراجع الدور التعليمي للأسرة، و تزايد الاعتماد على الدروس الخصوصية التي قد تكون مكلفة بالنسبة للبعض، وجد تلاميذ بدائل على مواقع التواصل الاجتماعي، أين ينشط نجباء يقدمون نصائحهم للتلاميذ بهدف النجاح، انطلاقا من تجاربهم الشخصية، ويحاولون وصف ما يشبه دليل مراجعة مشترك قابل لإعادة الاستخدام، حيث ينشر هؤلاء فيديوهات مقاطع قصيرة على موقعي فيسبوك وإنستغرام، إلى جانب فيديوهات شرح مطولة على "يوتيوب" يستعرضون من خلالها أساليبهم في المراجعة و يقدمون بعض الأفكار لإعداد الملخصات و حل التمارين وغير ذلك.
وهناك من جانب آخر، من التلاميذ من يشاركون في تنشيط دورات حضورية للمراجعة في بعض الأكاديميات، يتحدثون خلالها عن تجربتهم مع الامتحان النهائي " بكالوريا أو شهادة تعليم متوسط"، وكيف حضروا له منذ بداية السنة، فيما يشبه جلسات للتحفيز تتضمن نصائح مختلفة عن الدراسة والامتحانات، الأمر الذي يعتبره أخصائيون في مجال التربية غير منطقي، ذلك لأن المراجعة و التحضير جهد شخصي يختلف حسب قدرات واستعدادات كل تلميذ، ناهيك عن مدى قدرة كل واحد على الاستيعاب و كذا طبيعة الامتحان في حد ذاته.
أفكار جاهزة للاستهلاك
في مقطع مصور مدته 12دقيقة، عرضت تلميذة تدرس في السنة الأولى ثانوي، تجربتها مع شهادة التعليم المتوسط، وأسدت نصائح لمتابعيها كما شاركتهم البرنامج المتبع في المراجعة والتحضير.
ونصحت الفتاة بالابتعاد عن المراجعة والتحضير خلال العطلة، وقالت إنه يمكن تخصيص يومين منها للاطلاع على دروس الفصل الأول من منهاج السنة الرابعة متوسطة، وأنها درست طوال السنة بشكل عادي ولم تضغط على نفسها، لتبدأ التحضير لاجتياز الامتحانات الرسمية خلال عطلة الربيع، وبحسب ما جاء في حديثها، فإنها كانت تخصص ساعتين فقط للمراجعة، أما باقي اليوم فتقضيه على مواقع التواصل الاجتماعي، أو تمارس الرياضة.
وفي مقطع آخر، قالت الفتاة بأنها اعتمدت على برنامج مكثف عند اقتراب الامتحانات، فكانت تدرس لأكثر من ثلاث ساعات، مقسمة بين مراجعة منزلية بالتدرب على حل الاختبارات السابقة، ودورات ودروس خصوصية، وزعمت بأنها لم تجد إشكالا مع الخطة التي اتبعتها، معلقة "كان الامتحان جد سهل، وتحصلت على معدل ممتاز"، كما واصلت التلميذة في فيديوهات أخرى الحديث عن تجربتها التي تراها مميزة مسترسلة في الإجابة عن أسئلة متابعيها.
وتابعت النصر، حسابا آخر ينشط على "إنستغرام"، لمترشحة حرة البكالوريا شعبة علوم طبيعية، نالت الشهادة بمعدل جيد، تحولت بعدها إلى تقديم دروس خصوصية في الرياضيات، والعلوم الطبيعية، والعلوم الفيزياء، كما تقدم نصائح ومقترحات بناء على تجربتها مؤكدة في منشورات عديدة، بأن المقترحات والتمارين التي تقدمها لتلاميذ المرحلة النهائية، هي نفسها التي سيجدونها في الامتحان الرسمي، وشاركت رسائل إلكترونية لتلاميذ اجتازوا الامتحان يثنون عليها ويخبرونها أنهم وجدوا تشابها بين ما درسوه معها وموضوع الاختبار.
ومن خلال تصفحنا لحسابها، وجدنا منشورات أخرى شاركت فيها نقاطا لتلاميذ قدمت لهم دروسا خصوصية، في العلوم الطبيعية، والرياضيات، والفيزياء، وقد توصلنا إلى أن النتائج المتحصل عليها تراوحت بين 10/20، 12/20، بينما كانت أخرى متدنية ورسب أصحابها في الامتحان.
أستاذة التعليم الثانوي سامية دلول
استهتار بامتحان مصيري
أرجعت أستاذة التعليم الثانوي سامية دلول، سبب تفشي هذه الظاهرة إلى الكم الهائل من المعلومات التي يتلقاها التلميذ على مواقع التواصل وهو ما يفقد الوقت كافي والقدرة على استيعاب كل المنهاج خلال المراجعة الفعلية، وقالت إن التلميذ "الكسول" أصبح يبحث عن منافذ وحلول سهلة مثل المقترحات لمراجعة مواد الحفظ، ويميل إلى تباع الوهم الذي يُصَدِّره له أشخاص آخرون حتى يقلل من التفكير الزائد وعبء الحفظ والمراجعة.
وأردفت دلول، بأنه يمكن للتلميذ الذي تحصل على معدل ممتاز أن يشارك نصائح بسيطة، حول خطة العمل التي اتبعها، كالنهوض باكرا و المراجعة الجادة وعدم تضييع الوقت، أو أية طريقة يراها مناسبة لتقسيم جدول التحضير للامتحان، دون الجزم بأن تجربته مضمونة، لأن هذه الأساليب تبقى نسبية وقد لا تصلح لكل التلاميذ، وأتبعت:" يوجد آخرون لا يستطيعون النهوض باكرا، وإنما يفضلون المراجعة مساء أو ليلا بعد أخذ قسط كاف من الراحة"، وعلقت قائلة :"يجب على التلميذ أن يدرك بأن مصدر هذه النصائح هي تجربة شخصية تختلف من تلميذ إلى آخر".
واعتبرت الأستاذة، أنه لا يمكن لشخص يفتقر إلى الخبرة ضمان الفهم والنجاح للآخرين، وأوضحت بأن الموهبة أمر خاص وقد لا يمتلكها الجميع، وأن تخل التلميذ لمساعدة زميله لا يجب أن يتجاوز الدعم المعنوي.
الاستعدادات العقلية تختلف من تلميذ لآخر
وتبقى تجارب الناجحين مجرد نماذج يحفز من خلالها التلميذ إرادته، كما تقول محدثتنا، لذلك يجب على كل تلميذ أن يضع هدف النجاح نصب عينيه، ويختار الطريقة التي تناسبه، بما في ذلك الاستعانة قليلا بتجارب أشخاص آخرين إن كانت منطقية ويراها ملائمة له.
كما تحدثت دلول أيضا، عن الملخصات التي تسهل مراجعة مواد الحفظ وأفادت بأن التلميذ يستطيع إنجازها وفقا لما يناسب استيعابه وإدراكه لأن الاستعدادات العقلية تختلف، معلقة:"لكل تلميذ شيفرات خاصة به لا يفكها غيره"، مضيفة "بينما يجد تلاميذ الخرائط الذهنية مساعدة، يصعب على غيرهم تذكر معلومات الدرس بسببها، لأن الكتابة هي الأنسب لهم"، ونصحت الأستاذة التلاميذ بالجلوس مع أنفسهم واكتشاف طريقة المراجعة التي تناسبهم.
الأخصائية النفسانية نوال بوغابة
تجارب الامتحان متوقفة على ظروف التلميذ
قسمت من جهتها، الأخصائية النفسانية بالمستشفى الجامعي بقسنطينة، نوال بوغابة، فئة صناع المحتوى الذين يضعون تجاربهم معيارا للآخرين خلال الامتحانات الرسمية، إلى فئة تقدم محتوى إيجابيا يشجع على العمل والتركيز مع الدراسة لتحقيق النجاح بمعدل مميز يؤهل للالتحاق بالتخصص المرغوب فيه، وفئة ثانية تضر التلميذ بسبب نقص الوعي والخبرة، فيكون التحفيز سلبيا من قبيل الاعتماد على مشروبات الطاقة، أو إيهام الغير بأن الامتحان سهل ولا يتطلب بذل مجهود كبير، وهي نصائح غير منطقية وتعود بنتائج عكسية.
وأشارت بوغابة، إلى الفروقات التي تميز كل تلميذ عن الآخر وتجعل تجارب الامتحان مختلفة، كالقدرة الجسدية والاستيعابية، وأيضا مستوى ذكاء كل تلميذ، وعلقت حول الأمر قائلة :"يوجد تلاميذ يساعدهم أسلوب التكرار في حفظ المعلومات، بينما يفضل آخرون الفهم، وتحويل الدرس إلى ملخصات ومخططات ذهنية".
ومن العوامل الأخرى التي اعتبرتها مؤثرة أيضا في تجربة التلميذ، الظروف العائلية والمادية، وذكرت بأن كل فرد يعيش في بيئة مختلفة عن الآخر، وبالتالي يمكن أن تكون تجربة صاحب النصيحة أفضل بفعل ظروفه المريحة التي مكنته من تحقيق نتائج ممتازة، خصوصا الذين يعتمدون على دروس الدعم طوال العام الدراسي.
من جهة أخرى، نصحت الأخصائية النفسانية التلاميذ، بتجنب هذا النوع من المحتوى، خصوصا وأن بعضهم يتعرضون لانتكاسة عندما لا تنجح معهم تجربة الآخر، أو يرسبون بعد اتباعهم لها، وتضيف بأن الممتحن قد يتعرض لاكتئاب فيما بعد، أو نوبات هلع وصدمة أمام ورقة الامتحان.
إ.ك