عاش كاتب ياسين حياةً قليلة وبسيطة، عانى فيها من "سوء الفهم" و الأسطرة، فضلا عن الجدل الذي لم يفتر حول شخصه وأدبه حيًّا وميتًا.
ورغم الدراسات الكثيرة التي تناولت أعماله والكتابات التي خُصّصت لسيرته، إلا أنّه لازال يبدو كمنْجَمٍ يُغري الدّارسين و يستهوي مثيري الجدل.
و الأسئلة الجديرة بالطّرح اليوم، هي، هل قرأنا كاتب ياسين في الجزائر أم أنّنا لا زلنا نتغذّى على تصريحاته وتصريحات منسوبة إليه، يتمّ انتقاؤها، في الغالب، لدواعي الإثارة؟ وماذا نريد من الكاتب؟ هل نريد منه أن يكتب ويسكت كما نصح بومدين ياسين بالذّات؟ و هل من حقّه علينا أن نصغي إليه حين يتدخّل في الحياة العامة؟
قد لا تعني هذه الأسئلة ياسين وحده، خصوصًا و أنّ الكاتب لا زال يُواجه نظرات الرّيبة ذاتها التي كان يُنظر بها إلى الآباء المؤسّسين في مجتمع تقليدي وجد صعوبة في استهلاك المكتوب، لا سيّما فنّ الرواية الذي كان ولا يزال يشكّل مشكلة للذّائقة.
لم يقل كاتب ياسين ما قاله مالك حدّاد عن "منفى اللّغة"، لكنّه تعامل مع الوضع التاريخي بعقلانيّة وقال ما يعادل ذلك من دون أن يردّده المردّدون، فقد قال: "لو كتبتُ بالعربيّة لكنت أقرب إلى الشّعب"، وكان يرى بأنّ المستقبل سيكون للأدب المكتوب بالعربيّة، عكس ما أشيع عنه عن معاداة العربيّة، وحتى و إن كتب بالفرنسيّة فإنّه لم يفرّط في جزائريته وكان يقول بوضوح إنّ النّشر في فرنسا مكّنه من مخاطبة الفرنسيّين كجزائري، بفضل شجاعة ناشرين، لكن النّاشر الفرنسي سيبقى فرنسيًّا في نظرته إليّ وأظلّ كاتبًا جزائريًّا. بل إنّه كان يشبّه الكتابة بلغة أخرى بالانتقال إلى قرية أخرى أو مدينة أخرى أو بلد آخر، أي بهجرة، تُتيح العودة إلى الذّات بنظرة أرحب. لذلك دعا بعد الاستقلال إلى عودة الكتّاب الجزائريين من منافيهم وتمكينهم من ظروف الإبداع وفي مقدمة ذلك حريّة التعبير، لسدّ الفراغ في دولة فتيّة تحتاج إلى الآداب والفنون لبناء مخيالها الخاص، هذه الحاجة لا تزال قائمة اليوم في ظلّ الحروب الجديدة، وتقتضي فيما تقتضيه استعادة الكتّاب الجزائريين المؤسّسين وإتاحة نصوصهم للأجيال الجديدة من القراء، بعيدًا عن أساليب الشيطنة والتقديس التي ظلّت تُمارس على نطاق واسع بعيدًا عن القراءة والنّقد.
سليم بوفنداسة