السبت 5 أفريل 2025 الموافق لـ 6 شوال 1446
Accueil Top Pub

مختصون يكشفون في ندوة النصر عن تجلياتها :القيم الجمالية في الإسلام ترتقي بالمسلم إلى مرتبة الإحسان فكرا وسلوكا

لقد ظهرت القيم الجمالية بغزارة في الكتاب والسنة وتشبع بها المسلمون ما جعلها تتجلى بعد ذلك على مستوى إنتاجهم الفكري و التربوي؛ الشرعي و الإنساني، عند مختلف المدارس التربوية الفقهية والعقدية و الصوفية، وعند كبار المصلحين، لاسيما بالغرب الإسلامي في عز الإشعاع الحضاري الإسلامي للأندلس الذي ألقى بأنواره على الفضاءات الجغرافية و الفكرية التي وصلها، وقد اتسمت تلك القيم الجمالية بالشمولية؛ حيث شملت كل الجوانب المادية والأدبية، حتى بلغت بالمسلم مرتبة الإحسان التي تتبلور فيها القيم في كمالها، فظهرت القيم في العمران والمحيط و في السلوك البيني و مع الآخر وفي النصوص نثرا ونظما، وظلت متواصلة فكريا إلى العصر الحديث رغم محاولات الاستعمار تعكير صفوها، وفي هذا الملف الذي أعد على هامش ملتقى وطني حول ‘القيم الجمالية للنص التربوي في الفكر الإسلامي’ عقد مؤخرا بكلية أصول الدين بجامعة الأمير عبد القادر كشف مختصون عن مظاهر هذه القيم في مسيرة الفكر الإسلامي.

القيم الجمالية في الإسلام تتغلغل في المعاني والمباني والمحسوسات

يبدو تناول الجمال في الإسلام لأول وهلة بفعل طغيان المفاهيم الحديثة الحداثية لا يتجاوز الحديث عن جمال الصور و الأشكال، أو الألوان و الزخارف، أو حتى جماليات الخطوط و المباني، أو حتى التماسه في الأعمال الفنية المادية و المعنوية، ومثل هذه وإن تم التعبير فيها عن بعض تجليات الجمال الإسلامي، إلا أن الوقوف عندها لا يوصل إلى إدراك المعنى الحقيقي لهذا الجمال.
إن غلبة المفاهيم الحداثية والنظر من خلالها إلى الجمال يفسر لنا سر توجه كثير من الدارسين العرب و المسلمين إلى البحث في هذا الحقل من هذا الباب، و هو في تقديرنا ينم عن غفلة ظاهرة عن المعنى الحقيقي للجمال في الإسلام، ليس هذا غريبا في عالم تتم فيه عولمة جميع القيم العلمانية بعنف لا نظير له، بل أضحى العنف نفسه بكل أشكاله يسوق على أنه يمثل ذروة الجمال في الحضارة الحديثة، وأصبح التباهي بالتقاط الصور على أشلاء المظلومين أمرا معتادا و جميلا، و ليس هذا بالشيء المستغرب إذا علمنا أن كل هذا مرده إلى الإنسان الذي نسي العهد، و وقع في المعصية المهلكة. و الحقيقة أن الجمال في الإسلام لا يمكن لأي تناول جزئي أن يلم بأطرافه، و لا أن ينزله مكانته كما هي في حقيقة الأمر في البنية الإسلامية، خاصة إذا كان هذا التناول يتم في نطاق التجربة القيمية الجمالية الأوروبية.
إن التشويه الذي لحق منظومة القيم الإسلامية عامة بما فيها ما يتصل بالجمال على وجه الخصوص على مستوى الممارسة المتمثل خاصة بإلحاقه وإدراجه في دائرة القيم الغالبة ذات التوجه المادي العلماني، يستوجب العمل على تجلية هذا المفهوم، وتخليصه من طغيان جمال الشاشة و الصورة، ليعيده إلى مقامه الأصلي، مقام القيمة التي نعاير بها، بعيدا عن التجسيد و الحصر في الصور المشاهدة.
إن الجمال في الإسلام يرتبط ارتباطا وثيقا بالتقوى، فكل ما يدعو إلى التقوى فهو جميل، وكل ما يدعو إلى المعصية فهو قبيح، كل ما يذكر بعهد الله تعالى فهو جميل، وكل ما يدعو إلى نسيان العهد فهو قبيح، قال الله عز وجل: ‹وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا» طه/115.
إن الجمال في الإسلام لا يرتبط بالتراب إلا بالقدر الذي يهيئ مراقي السعي لمبتغي الرقي والصعود، ومن خلال ذلك يمكن أن نقول مطمئنين بأن الجمال الإسلامي بعيد عن مفهوم الجمال في الثقافة الأوروبية الحديثة و امتداداتها، فجمال الإسلام لا يتجسد في صورة و لا في تمثال، و لا يمكن رسم حدود له، لأنه يتغلغل في كل شيء، يتغلغل في القيم وفي المعاني و المباني، فيضفي عليها جاذبية لا نظير لها، كما ويتغلغل في الموجودات المحسوسة، على وجه يتهيأ معه الإنسان إلى الإذعان لربه فيعبده كأنه يراه، وكلما ترقى الإنسان في مراتب الطاعة و التقوى، كلما حصَّل من الجمال ما يوافق هذه المراتب، فالجمال يزداد في الإنسان إشعاعا وتوهجا بقدر إقباله على الطاعة، ويخبو توهجه كلما انحط في دركات المعصية، وهذا الجمال يزداد وينتشر ليعم كل مظاهر الحياة، وعندها لن تجد نفسا خبيثة تسارع للمكر، ولا شارعا متسخا يبعث على الاشمئزاز، ولا مجتمعا يعيش الفوضى بتفاصيلها، هكذا تتهيأ الظروف وتتجمع الأسباب لتصبح التقوى غالبة والجمال ظاهرا.

مقال ‹الشباب› للإبراهيمي شاهد على حضور القيم الجمالية باكرا في كتابات الجزائريين المحدثين

لقد ظهر البعد الفني الجمالي باكرا في العصر الحديث عند الكتاب المفكرين الجزائريين، فنتلمس ذلك ظاهرا مثلا عند الإمام البشير الإبراهيمي، حيث نجد مقالة ‹الشباب الجزائري كما تمثله لي الخواطر› شاهدة على ذلك. فهذا المقال هو بمثابة كتلة واحدة من القيم الجمالية التي يسعى الإبراهيمي بثها لدى الشباب الجزائري، ومنها رفع همة الشباب، ليكون مًعتدا بنفسه، مؤمنا بقدراته. ودعوته إلى طلب العلم، بوصفه أساس كل النهضات. ثم العمل وترك التبطل، إذ لا قيمة للعمل من دون العمل. وأن يتسلح بالأخلاق لأنها عنوان الإنسانية الحقة، قدوته في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأن يحرص على تقوية انتمائه لهويته و أصالته، حتى لا تذوب شخصيته. كما يحرص على حفظ الوقت، وتقييم العمر، لأنه رأسمال الإنسان. وأن يكون قوي الإيمان بالحياة، قوة إيمانه بدينه. وأخيرا أن يًقيّم ذاته، ليكون ندا لأقرانه من شباب الأمم الأخرى، وألا يشعر بالدونية أمامهم. كل ذلك من أجل بناء الإنسان النموذج، والحضاري.
إن هذا المقال يتميز بخصائص زادته جمالا وقوّة، وهي في حدّ ذاتها قيم جمالية، تُرصّع تاج هذا المقال، وتُدبّج عارضه، وتُعطّر أعطافه. فهي ذات محتوى إصلاحي ورسالي عميق، وهي دائمة الصلوحية، بالإضافة إلى غناها بالقيم الجمالية، إنّ هذا المقال كُتب بعد تشخيص دقيق لحال الأمة، فكان بذلك بمثابة مشروع وطني لإحياء الأمة، من خلال رفع همة الشباب، وتصحيح الأفكار الخاطئة التي زرعها المستعمر في أذهانهم، وصولا إلى بناء الفرد الصالح.كما أنه يتميز بميزات عديدة، جعلت منه قطعة فنية نادرة، ومنحوتة عزيزة، وكنزا معرفيا لا يُقدّر بثمن، ومنها:
أنها مقالة محكمة البناء، لا يخالطها ضعف، قائمة على علم وحكمة، وناهضة على فلسفة وتجربة، ومستندة إلى بصيرة نافذة.وأنها مقالة واقعية، فهي تنطلق من واقع معيش بكل تناقضاته، مستندة إلى رصيد حضاري ضخم مشبعة بالأفكار البنّاءة، والقيم الجميلة، ما يجعلها قابلة للتحقق في عالم الواقع.

الذوق الجمالي الأندلسي أثر في متصوفة الغرب الإسلامي

تعتبر حاضرة الأندلس من أرقى وأجمل ما أنتجته الحضارة الإسلامية، وقد مثلت الإسلام بجميع جوانبه الفكرية والاجتماعية والعمرانية وحتى الجمالية، فأصبحت بذلك مركز إشعاع حضاري ليس عند المسلمين فحسب بل تخطت ذلك لتلقي بظلالها على كل الحضارات الأخرى التي كانت مجاورة لها أو على احتكاك دائم معها. فسادت في حضارتها قيم جمالية كان لها تأثير كبير لاسيما عند متصوفة الغرب الإسلامي
فعلى غرار كل العلماء والمفكرين الذين جعلوا الأندلس منارة للتزود من مختلف العلوم و المعارف، فقد كان علماء الغرب الإسلامي لاسيما بالمغرب الأوسط من أوائل المتأثرين بهذه الحضارة وذلك لقربهم الجغرافي والاجتماعي منها، إذ كانوا يتشاركون معها العادات والتقاليد و الأفكار، فطغت تلك النزعة الأندلسية على تراثهم في مختلف مجالاته بما في ذلك التصوف والسلوك.
وقد برز هذا عند متصوفة الغرب الإسلامي الذين تمايزوا عن متصوفة المشرق بخصائص تعكس احتكاكهم بهذه الحضارة، فكانوا يتمتعون بذوق جمالي ظهرت ملامحه في ثنايا دعوتهم و سلوكهم، هذا الذوق الذي بعث الروح في تراثهم الفكري والتربوي فكان له جاذبية وتأثير في العامة فضلا عن الخاصة من المريدين.
وقد ظهر ذلك مثلا عند العلامة أبي مدين شعيب الغوث كونه من الشخصيات الإصلاحية البارزة و المؤثرة في عصره ذات النزعة الأندلسية، حيث يتجلى الذوق الجمالي في تراثه الفكري و الصوفي التربوي على وجه الخصوص، مما يمثل أنموذجا ناجحا في عملية التربية نستلهم منها تلك القيم الجمالية لتفعيلها في الخطاب الدعوي التربوي، لتكون منهاجا تربويا يساهم في حلحلة الكثير من قضايا واقعنا المعاصر.
وأنها أشبه بدستور لأنها تمثل خلاصة منهج جمعية العلماء في التغيير التربوي والاجتماعي والسياسي. ومشروعها الحضاري، الذي يستهدف إعادة صياغة الإنسان، وبعث الأمّة، واستدراك الحضارة.
وأنها درس تربوي بامتياز: فهي جديرة بأن تكون مادة للدراسة في أطوار التعليم المختلفة. ومنهجا لمؤسسات التكوين وإعداد الشباب.

طوفان الأقصى أدخل جماليات القيم الاتصالية الإسلامية في مواجهة مع سياسة «عمى الألوان» في الإعلام الغربي

إنّ القيم الاتصالية الإسلامية مع غير المسلمين، كما حددتها أحكام الشريعة الإسلامية في نصوصها واجتهادات الفقهاء المسلمين ووثائق المسلمين وسيرتهم وممارساتهم التاريخية أثناء احتكاكهم بمختلف الأمم والحضارات والأديان، تتّصف بالجمال من ثلاثة منطلقات:
(الأول): هو الواقعية التي تحقّق مقصد وثيقة المدينة القديمة، والتي أكّدت على بند «نسالم من يسالمنا ونعادي من يعادينا»، و«الانضباط الأخلاقي والإنساني العادل والمتوازن في التعامل». وهي بنود تناقض زيف الغرب، المتغنّي بالقيم المثالية بدءا بالتسامح المطلق المستمدّ من مقولة ينسبونها إلى المسيح: «مَن ضربك على خدّك الأيمن أدر له خدّك الأيسر») مُتى الإصحاح5: 39(، وهي مقولة تمهّد للاحتلال؛ لأنه في الواقع يطبّق سياسة الحديد والنّار والكيل بمكيالين مع شعوب الشرق الأوسط، والقارة الإفريقية والمسلمين عموما، امتثالا لنصّ آخر ينسبونه للمسيح: «لا تظنّوا أنّي جئت لألقي سلاما على الأرض. ما جئت لألقي سلاما بل سيفا ونارا وانقساما»)متى 34:10).
(الثاني): وهو البرّ و الإقساط، مع من لا يعادي المسلمين امتثالا لآيات وأحاديث كثيرة، وأكّده تاريخ الفتح الإسلامي.
(الثالث): وهو الصدق، مع الذات ومع الآخر؛ ولذلك لا يمكن ممارسة إعلام من منطلق إسلامي بعيدا، عن صدق الخبر وصدق الصياغة، وصدق المقصد وصدق الحكم.
وقد تعرّى وجه الغرب الحقيقي من خلال ممارساته العنصرية والقمعية للآخر المستنزَف والمستضعَف، ولا غروَ أن يكون الإعلام الغربي غير المسؤول و المتحيّز، هو الضوء الكاشف لكلّ عيوب الغرب. وقد أظهرت أحداث غزة منذ (7/10/2023)، كلّ ما يكشف سياسة عمى الألوان الغربية العنصرية Daltonisme Racial، وقد تجلّت هذه السياسة في:
-التغطية الإعلامية الغربية العنصرية لقضايا الآخر: فقد صرّح Owen Jones الصحفي الإنجليزي في “الغارديان” قائلا عن عنصرية الإعلام الغربي ضد الفلسطينيين؛ بأنّه كان يعلم أن هناك درجة من العنصرية في تغطية إعلام بلده (إنجلترا) والإعلام الغربي عموما للأحداث المختلفة في الشرق الأوسط وأفريقيا، ولكنه لم يتخيل أن تتجلى بهذا الوضوح الساطع في 2024.
-الترويج لمغالطات مضلّلة بخطاب مدروس: فحديث صحيفة New york Times»” مثلا عن القتال بين إسرائيل وغزة يوهم المتلقي بحرب بين معسكرين متساويين وهي أغلوطة تعمل لصالح إسرائيل.
- تفسير الأحداث تفسيرا متحيِّزا تقول Esther Duflo بأن زميلهاBen Olken نسخ عناوين الصحف مساء يوم انفجار مستشفى بغزة، في وقت كانت المعلومات قليلة. وقد عرضت وسائل الإعلام العربية والإسرائيلية القضية بشكل مختلف تماما:
فعنوان الجزيرة كان: “الغارة الإسرائيلية على مستشفى تقتل 500 ضحية” بينما كان عنوان صحيفة التايمز أوف إسرائيل “الجيش الإسرائيلي: انفجار المستشفى كان بسبب إطلاق صاروخ سيئ. العالم العربي يتهم إسرائيل”.
-قلب الحقائق على الآخر المغلوب على أمره: يقلب الإعلام الغربي الحقائق من دون أدنى شعور بالخجل، ويكون كلّ التدمير والإبادة التي تقوم بها إسرائيل في حق مدنيين عُزّل، هو حق الرّد على إرهاب الفلسطينيين، وهو القضاء العادل للضّحايا لهم بسبب معاداتهم للسامية.
إن الممارسات الإعلامية الغربية تفتقد للبعد القِيمي الإنساني، فالمسؤولية الإعلامية تأتي من الشعور بالانتماء إلى هذا العالم من دون تعالٍ أو ظلم للآخر أيًّا كان لونه أو عرقه أو دينه.

آخر الأخبار

Articles Side Pub
Articles Bottom Pub
جريدة النصر الإلكترونية

تأسست جريدة "النصر" في 27 نوفمبر 1908م ، وأممت في 18 سبتمبر 1963م. 
عربت جزئيا في 5 يوليو 1971م (صفحتان)، ثم تعربت كليًا في 1 يناير 1972م. كانت النصر تمتلك مطبعة منذ 1928م حتى 1990م. أصبحت جريدة يومية توزع وتطبع في جميع أنحاء الوطن، من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.

عن النصر  اتصل بنا 

 

اتصل بنا

المنطقة الصناعية "بالما" 24 فيفري 1956
قسنطينة - الجزائر
قسم التحرير
قسم الإشهار
(+213) (0) 31 60 70 78 (+213) (0) 31 60 70 82
(+213) (0) 31 60 70 77 (+213) (0) 6 60 37 60 00
annasr.journal@gmail.com pub@annasronline.com