كسارقٍ يكسر الباب ليدخل عوض أن يطرق، يرى زميل مخضرم دخول الانجليزية إلى الجزائر، بل يراه أخطر من ذلك حين يصف «غزو» لغة شكسبير لفضاءات الحياة في بلادنا بالاغتصاب!
ويصوّر لنا كيف أصيب الجزائريون بالذهول وهم يرون الانجليزية على لافتتي وزارتي الدفاع الوطني والخارجية وعلى مقر الأرشيف الوطني وجامعة دالي إبراهيم وكانت آخر «خيانة» كما وصفها هي كتابة هيئة مراقبة الانتخابات لافتتها الرسمية بالانجليزية إلى جانب العربية، ولم يكلف نفسه عناء إخبارنا بعدد «الجزائريين الذين أصيبوا بالذهول» وكيف شخّص حالتهم وكيف أصبحت وضعيتهم بعد الإصابة.
ويريد الصحفي المخضرم في مقال ناري كتبه نهاية الأسبوع الماضي أن يعرف من أذن للانجليزية بدخول الجزائر مستغربا قيام مسؤولين بإعطاء الضوء الأخضر لذلك لأنه يعني، في نظره، الحرب على الفرنسية في بلد تتواجد فيه هذه اللغة في ثلاثة أرباع البيوت!
هكذا إذن و بكل بساطة يدعو صحفي وصاحب جريدة، إلى إبعاد الانجليزية عن حياتنا لصالح لغة أجنبية أخرى لا يتردّد في الإشارة إلى أنها لغة حضارة لها إسهام كبير في الثقافة الإنسانية، قبل أن يطرح السؤال الذي يصفه بالقاتل: لماذا يكن بعض المسؤولين كلّ هذا الحقد للغة كانت سلاح حرب لا بديل عنه بالنسبة لنا؟ ويقول بوضوح أننا تحرّرنا بالفرنسية التي اعتبرها كاتب ياسين غنيمة حرب، وحتى وإن أقرّ بأن مداولات رسمية تتم بالفرنسية وأن الجريدة الرسمية ذاتها تُترجم في اتجاه واحد: من الفرنسية إلى العربية، إلا أن ذلك لم يمنعه من إطلاق صرخة ضد النفاق وضد الحرب المعلنة على «أغلبية الجزائريين» باستهداف الفرنسية ومن دون برهان على الطريقة التي أحصى بها الأغلبية يكشف الجهة التي تقف وراء التمكين للانجليزية في الجزائر: إنهم العرب-بعثيست الذين يريدون قلب الأوضاع ويزعمون أن الانجليزية لغة الحداثة وأن الفرنسية في طريق الانقراض. أي نعم، لا زال البعثيون موجودين في بعض الرؤوس بعدما انقرضوا من الواقع، مثلما لازالت بعض النخب التي تحتاج إلى علاج من «المرض الفرنسي» تعتقد أن خلاص العالم مرتبط بلغة واحدة ووحيدة تريد فرضها على الأجيال الجديدة من الجزائريين، أجيال لا تعرف الحروب القديمة وتريد أن تدرس و تعيش وتزور العالم وتدردش مع شابات وشبان العالم بلغة العالم.
من حق هذا الصحفي وغيره إبداء الرأي في المسألة اللغوية، لكن ما طرحه يحيل إلى انحراف فكري ومغالطة تستدعي التوقف، ويكفي صاحبنا أن يسأل السيد غوغل عن انتشار اللغة التي لا يرى لها بديلا في العالم ليعرف أنها تأتي في مرتبة متأخرة بعد لغات لا يجري ذكرها على لسانه.
كما أن مرافعته تنطوي على تطرف و أبوية وأصولية يعقوبية لا تختلف عن بقية الأصوليات إلا في كونها تجعل الأقلية تهيمن على الأغلبية وتتحدث باسمها، بل و تمنعها من الكلام.
يعرف زميلنا الكبير، بلا ريب أن الفرنسية هي لغة الحكم ولغة المال في حياتنا، لكنه انتفض ضد لغة أخرى يريد الجزائريون تعلّمها لفهم العالم دون أن يفكروا بالضرورة في السطو أو الاغتصاب، حتى نبقى في تعبيره، ودون أن يفكروا في تغيير معسكر المصطلحين سيئي الذكر، فما الذي يخيفه و لماذا يقول لنا أن الجزائريين يريدون قراءة جرائد بالفرنسية مع قهوتهم كل صباح؟ ولماذا لا يقول لنا أن الجزائريين يريدون قراءة جرائد تقول لهم الحقيقة ولا تضلّلهم ولا تكذب عليهم ولا يبيع كتّابها مواقفهم لمن يدفع أكثـر؟
سليم بوفنداسة