أشاد الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، الفريق أول السعيد شنقريحة، أمس، بأداء الإطارات والمستخدمين على مستوى...
* حزمة تفاهمات لاستئناف الحوار المثمر وتجاوز الأزمة اتفق رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، ونظيره الفرنسي، إيمانويل ماكرون، على استئناف الحوار المثمر الذي أرسياه في أوت...
دعا وزير الاتصال محمد مزيان كافة وسائل الإعلام الوطنية إلى تشكيل جبهة إعلامية وطنية للدفاع عن ثوابت الأمة و رموزها ومؤسسات الدولة، وإلى التحلي...
أكدت وزارة التجارة الداخلية وضبط السوق الوطنية أن التجار والمتعاملين الاقتصاديين عبر الوطن استجابوا بشكل واسع لنظام المداومة خلال أيام عيد الفطر...
تستمر قسنطينة، في الكشف عن عجائبها في كل مرة، فكلما بحثنا أكثر بين صخرها العتيق، قادنا الفضول نحو معلم مخفي أو نحو قصة جديدة أو خرافة، فجسور المدينة ليست فقط حبالا تربط الشرق بالغرب، بل هي ممرات عبر الزمن، تنقل لنا بعض أثر العابرين، تماما كما هو الحال بالنسبة لجسر سيدي مسيد المعلق، الذي يكتسب جماله من علوه الشاهق و من غموض الأسطورة التي تلفه و تربطه بقصة الولي الصالح الحامل لاسمه والذي وقفت النصر مؤخرا على موقع ضريحه المنسي.
الضريح والجسر تاريخ مشترك لما يزيد عن قرن
يعتبر جسر سيدي مسيد، ثاني أشهر جسور قسنطينة، وأكثرها ظهورا في الصور و الفيديوهات، و هو قنطرة تداعبها الرياح على علو 175 مترا، كلف انجازه بداية من سنة 1909 إلى غاية 1912، غلافا ماليا قدره 500 ألف فرنك فرنسي، وأشرف على أشغاله شركة المهندس الفرنسي الشهير فاردينون آرنودان، وحسب الباحث في التاريخ حسين طاوطاو، فإن فكرة إنشاء الجسر ظهرت أول مرة سنة 1890، و ذلك لربط المدينة بالمستشفى الجامعي الذي بني قبله، غير أن المشروع تأجل إلى غاية 1903، حيث أعاد «مورينو» رئيس بلدية قسنطينة آنذاك بعثه، فانطلقت الأشغال في ديسمبر من سنة 1909، و دشن رسميا في 19 أفريل 1912، و يمتد المعدن المتين للجسر على طول 164 مترا، بعرض طريق يعادل 5.7 أمتار، و قد صمم ليتحمل ثقلا قوامه 17طنا، و يعتبر هذا الممر المعلق، من شرايين النقل في المدينة و نقطة عبور رئيسية نحو المستشفى الجامعي الحكيم لخضر بن باديس، الذي بني في البداية كمدرسة عربية فرنسية سنة 1864، قبل أن يحول إلى مستشفى مركزي و دخل حيز الخدمة رسميا سنة 1876.
قيمة هذا الجسر لا تكمن فقط في وظيفته كمنشأة حيوية، بل له بعد رمزي و اجتماعي ، فبوابته الغربية المحاذية لمصلحة الاستعجالات بمستشفى قسنطينة، بنيت فوق بعض صخور الضريح القديم للولي الصالح سيدي مسيد، حسبما أكده لنا المسؤول عن عملية الصيانة داخله، والذي سمح لنا بالتوغل إلى داخل البناية التي تعلوها صومعة صغيرة، بحثا عما بقي من أثر للضريح، لكننا لم نجد شيئا سوى سلالم طويلة و ملتوية تغمرها المياه.
قال محدثنا بأنها تخترق عمق الصخر، لما يزيد عن سبعة أمتار كاملة، وصولا إلى أخاديد واد الرمال، فيما يشبه ممرا مخفيا أو نفقا محفورا في قلب الهضبة، مرافقنا في هذه الجولة، قال بأن هناك من بين زوار المدينة من يأتون للسؤال عن موقع الضريح الذي ضاع شاهده قبل الاستقلال، وهم في العموم، كما أوضح، سياح قادمون من تونس أو من مدن الجنوب.
الولي الذي طار !
خلال جولتنا، سألنا بعضا من سكان قسنطينة، عن الضريح وعن ارتباطه بالجسر، فاتضح لنا بأن غالبيتهم يجهلون تماما وجوده، بينما ذكر آخرون قصتين مختلفتين، الأولى تقول بأن سيدي مسيد هو ملك من ملوك الصحراء الإفريقية، تاه في طريقه نحو الشمال و لأنه كان رجل مكارم و تقيا فقد تحول إلى نسر طار وحط في أعالي قسنطينة، بالمقابل قال آخرون، بأن سيدي مسيد هو ملك من ملوك الجان.
حاولنا البحث أكثر عن حقيقة الرجل و عن علاقته بتاريخ قسنطينة، فتواصلنا مع الباحث في التاريخ الدكتور عبد العزيز فيلالي، فأخبرنا بأنه لا توجد مصادر تاريخية كثيرة ذكرت هذا الولي الصالح و كذا سيدي مبروك ، وأنهما شخصيتان مرتبطتان أكثر بالأسطورة وبالرواية الشفهية، عكس سيدي راشد الذي أتى ذكره في بعض الكتب و المخطوطات التي تزامنت مع فترة تواجده في المنطقة، وتحديدا في القرن الخامس هجري، الموافق للقرن العاشر ميلادي، مضيفا بأن السبب وراء شح المصادر يعود إلى أن التصوف لم يكن نهجا شائعا جدا في تلك الفترة، مقارنة بالقرنين السادس والسابع هجري.
من جانبه، قال الباحث عبد القادر دحدوح، بأن مختلف الأبحاث التي قام بها خلال إعداده لكتاب «علماء و أعلام قسنطينة»، لم تقف على أي ذكر لشخصية سيدي مسيد، كما أن اسمه لم يرد أيضا في مخطوط دفتر أوقاف قسنطينة الذي يعد من أهم المصادر التأريخية.
و أكد أيضا الباحث حسين طاوطاو، عدم توفر أية معلومات حول سيدي مسيد، رغم أن ضريحه كان موجودا فعلا عند المدخل الغربي للجسر، كما أن اسمه يطلق على هضبة كاملة، موضحا بأن الفرنسيين كانوا قد تحدثوا في بعض مراجعهم، عن طقوس احتفالية كانت تقام في تلك المنطقة، و كانت تعرف باحتفالية النسور.
ممر العشاق و هاوية اليائسين
يشكل مزيج الأسطورة التي تحيط بالولي الصالح و ضريحه، إضافة إلى جمال الجسر المعلق و هيبته، تعويذة سحرية تجذب الكثير من الزوار إلى المكان، فبين من يبحثون عن ضريح يحجون إليه، و بين عشاق يعلقون الأحلام و الآمال على حبال الجسر الفولاذي، تنبض القلوب بالحياة، فمحيط جسر سيدي مسيد، انطلاقا من مخرج المغارة الشرقية، و وصولا إلى قمة الهضبة، أين يوجد نصب الأموات، يعد ممرا سياحيا ناشطا و قبلة للكثير من أبناء المدينة و زوارها، ورغم حالات الانتحار التي شهدها الجسر بمرور السنين، إلا أن شبح الموت لم يخيم يوما على المكان الذي يتخذ منه اليوم بعض الفنانين المحليين الشباب، محطة للنشاط و بيع التحف و التذكارات للسياح و العابرين، في انتظار أن تتوسع عملية استغلال المنطقة التي برمجت لصالحها عدة مشاريع ذات طابع سياحي منذ سنة 2015.
هدى طابي