أكد أمس تقرير نشره الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء أن فئة الأطفال هم الأكثر استهدافا في حرب الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي الذي يمارسه الكيان...
أعلنت وزارة الصناعة الصيدلانية، أمس، عن حزمة إجراءات جديدة تهدف إلى تفادي أي تذبذب أو انقطاع في تزويد السوق الوطنية بالأدوية.و دعت الوزارة في بيان...
أمر قاضي التحقيق لدى محكمة بريان لدى مجلس قضاء غرداية بإيداع ثلاثة أشخاص رهن الحبس المؤقت وإخضاع اثنين آخرين لإجراءات الرقابة القضائية في قضية...
يستمر الكيان الصهيوني و يتمادى في تنفيذ فصول حرب الإبادة الجماعية ضد سكان غزة بارتكاب المزيد من المجازر في مناطق مكتظة بالمدنيين، حيث ارتقى خلال 48...
يثير "بيت النجمة" انتباه المارة بشارع بلوزداد بوسط مدينة قسنطينة و يدركون من الوهلة الأولى، بأنه من بيوت قسنطينة العتيقة بنمطه المعماري المتميّز و بابه الخشبي الكبير المزّين بالنحاس و زخرفة نوافذه ذات الطراز العربي الإسلامي. لكنه يبقى مرتبطا، بالنسبة للأغلبية، بعدة تساؤلات حول تاريخه و أسراره و مسحة الكآبة التي تحيط به، رغم جماله و سحره الغريب.
مريم/ب - تصوير شريف قليب
"دار النجمة"، مثلما يفضل البعض تسمية هذا القصر الصغير الذي بني في سنة 1923، نظرا لرسم النجمة الخماسية الذي يزين بوابته، أو دار عزي، نسبة إلى مالكه الجديد، ارتبطت به الكثير من الحكايات ، فحولته إلى بيت يكاد يكون أسطوريا حينا، و مرعبا حينا آخر، لما يتم تداوله من قصص عن وجود أشباح و سماع أصوات مخيفة داخل البيت المهجور، و الذي هو في الواقع يخضع لترميمات و إعادة تهيئة، لاستغلاله كدار لعرض التحف التقليدية، حسب الحرفي فؤاد عزي، أحد أفراد العائلة المالكة لهذه التحفة المعمارية البارزة بمدينة الجسور المعلّقة.
البيت الكائن بحي بلوزداد، المعروف بسان جان، أشبه بقصر صغير يتربع على مساحة تقارب 400 متر مرّبع، تم تشييده في نفس سنة بناء نزل سيرتا من قبل نفس المهندسين و الفنانين السوريين الذين جسدوا مشروع النزل المذكور، حسب إحدى بنات عائلة مالكه السابق بوعامر شفيقة، التي سردت علينا كيف وقع والدها في حب ذلك البيت منذ رآه للمرة الأولى، فقام بالمستحيل لأجل امتلاكه، و كان له ذلك، بعد مفاوضات عسيرة مع مالكه الأصلي و هو يهودي غادر الجزائر نحو فرنسا سنة 1977.
ديبلوماسيون و سفراء و طلبة أصروا على زيارته
شفيقة بوعامر استعادت ذكريات تعود إلى الفترة بين سنتي 1977و 1998،مدة إقامتها رفقة أفراد عائلتها بهذا البيت التحفة، فقالت أن هذا المنزل كان بمثابة قبلة أو مزار للفضوليين و بشكل خاص الفنانين التشكيليين و طلبة الفنون الجميلة، الذين كانوا لا يترددون في طرق الباب وطلب السماح لهم برؤيته من الداخل، و نفس الشيء بالنسبة للأجانب، مستحضرة صورا من زيارات بعض الشخصيات التي أثارت اهتمامها في شبابها، كمديرة مدرسة الفنون الجميلة بفلورنس الفرنسية، و أيضا الدبلوماسيين، و من بينهم سفراء سابقين، أعربوا عن رغبتهم في رؤية جمال هذه الصرح المعماري، الشبيه بقصر أحمد باي، من حيث نوعية الخزف و "الزليج". كما استقطب الصرح أحفاد مالكه الأصلي و أقاربه بدافع الحنين إلى زمن ولى وراح.
و من جهته، ذكر فؤاد عزي بأن البيت الفاخر بني فوق بيتين قديمين و استغل في البداية كقاعة للحفلات الفاخرة، قبل أن يتحوّل إلى منزل أو قصر صغير للعيش، هيأ مالكه أجنحته، طبقا لمختلف الثقافات العالمية غربية و مشرقية، فيما ذكرت الفنانة شفيقة بوعامر بن دالي حسين، بأنه من بين أولى البيوت المشيّدة بحي سان جان، و لم يخضع لأي عملية ترميم إلى غاية سنة 1982، أين كلفها والدها بالقيام بذلك، باعتبارها فنانة تشكيلية، متخرجة من معهد الفنون الجميلة، فكانت لها لمسة ترميمية خفيفة على مستوى الطلاء بقاعات الضيوف الأربع الضخمة و التي يعود تاريخ طلائها الأول إلى عام 1925،مثلما لا يزال مسجلا على إحدى الجدران.
"بنى و على راح و خلا" مثل شعبي يزين مدخله
و لعل ما زاد من تميّز هذا البيت نوعية الخزف المستورد من سوريا، الذي يزين أروقته العديدة، كما يلفت انتباهك مباشرة عند ولوج عتبة المنزل الفخم بعد فتح بابه الخشبي الكبير ذي المطرقة النحاسية، باب ثان من الزجاج الملوّن و المنسجم مع ألوان وزخرفة الخزف الذي يزيّن السقيفة الضيقة بين البابين الخارجي و الداخلي. هذا الأخير الذي نقش على أعلاه، مثلا شعبيا معروفا لا زال يرّدد حتى اليوم بقسنطينة: " بنى وعلا راح وخلا"، كتذكير بفناء الدنيا وعدم خلود البشر ، بالإضافة إلى نقش ثان بأعلى جدار الرواق المحاذي للباب الزجاجي، و المثير للتعجب أيضا، باعتبار العبارة البارزة عليه ، إسلامية، في حين أن صاحب البيت كان يهوديا من عائلة برجوازية تدعى "عادس"، معروفة في مجال صناعة القماش، حيث كتبت عبارة التكبير "الله أكبر الملك لله".
البيت المترامي الأطراف الذي يطل على شارعين، به أربع قاعات ضيوف، مصممة على أنماط معمارية مختلفة منها الشرقي، و الغربي الإمبراطوري. و يضم قاعة خاصة بالرياضة، تحتوي على طاولة لرياضة التنس، بالإضافة إلى أكثر من 10 غرف أخرى. فضلا عن غرفة للغسيل و شرفات و مطبخ كبير، و غيرها من الأجنحة التي تحتوي جميعها على عناصر زخرفية و فنية كثيرة و نقوش على الجبس والخشب، فضلا عن اللوحات الفنية الراقية التي يمثلها "الزليج" المشرقي وما يمنحه من رونق تقليدي يميّز فضاءاته المتنوعة منها الصالونات الواسعة، سواء المشرقية أو الأوروبية.مالكاه غادراه على كرسي متحرك بعيون دامعة
يحكى أن مالكه الأول كان مدمنا على القمار و مات بسكتة قلبية، بعد تعرض شركته الضخمة لخسارة كبيرة، ليترك وراءه ابنه الطبيب "راؤول" و عائلة تتحسر على ما فقدته، إلى غاية سنة 1977، سنة مغادرة الجميع الأرض الجزائرية، أين طلب راؤول من المالك الجديد أن لا يترك نساء العائلة يزغردن بعد مغادرته، حيث تم نقله على كرسيه المتحرك إلى المطار، لكن بمجرّد خروجه من البوابة، ارتفعت زغاريد النساء اللائي لم يخفين فرحتهن برحيله، عندئذ تقول محدثتنا، بأن اليهودي بكى بكاء شديدا، لدرجة تبوّله لا إراديا، لأنه لم يتم تلبية طلبه و أمله الأخير.
الغريب في هذه القصة تكرار مشهد مغادرة المالك الجزائري للمنزل ،المجاهد بوعامر، على كرسي متحرك بسبب مرضه، لأنه و بعد أن طلب من أبنائه بيع البيت لشراء آخر، تأثر كثيرا و بكى للصدفة التي جعلته يغادر البيت هو أيضا على كرسي متحرك، تماما مثل المالك الذي سبقه، على حد رواية ابنته شفيقة التي كانت شاهدة عيان على ذلك الموقف الحزين، و تذكرت كلمات والدها و هو يقول لها "التاريخ يعيد نفسه، إن هذا البيت ملعون، و لقد أحسنت فعلا بإنقاذكم منه".
شبح "عادس" رفض مغادرته
و قد تداول الناس قصصا غريبة عن البيت، كان يسردها السكان السابقون الذين احتكوا بقاطنيه السابقين، تقول شفيقة، مؤكدة شعورها و إخوتها بحدوث أمور غير عادية و مرعبة أحيانا، لكن والديهم كانا يطمئنانهم و يذكرانهم بضرورة إقامة الصلاة و قراءة القرآن الكريم، حتى لا يتعرضوا لسوء، من قبل الأشباح، التي أكدت بأنها رأتها شخصيا، قائلة بأنها رأت عديد المرات شخصا بنفس المواصفات التي أشارت إليها قريبتها الصماء، بخصوص رجل بشوارب، يرتدي قبعة و يحمل عصا بيده، يمر في هدوء ويحيي بطريقة الشخصيات البرجوازية، ثم يضع إصبعه على فمه و يقول "أش" ، أي اصمت و لا تبوح بما رأيت، و هو نفس الشخص،حسبها، الذي يظهر في صور العائلة التي وجدوها بإحدى أركان البيت و يتعلّق الأمر بالمالك الأصلي "عادس" على حد روايتها ، مما كان يرعب أهل البيت، خاصة الأبناء الذين لم يكونوا يتنقلون من غرفة إلى أخرى، إلا ضمن مجموعة.
مشروع تحويل "دار النجمة" إلى دار عزي للفنون الشعبية
ابن العائلة المالكة للبيت حاليا فؤاد عزي، فقال بأنه أدخل على البيت تحسينات وترميمات، بما يتوافق ومشروع دار للفنون الشعبية، دون التأثير على الشكل الأصلي، مؤكدا بأن بناية تاريخية وفاخرة لا يجوز أن تبقى مغلقة دون استغلال طيلة سنوات ما دفع عائلته إلى شرائها لتجسيد مشروع دار عزي للفنون الشعبية، و أشار إلى أنه تعلق بهذه التحفة المعمارية و كشف بأن الكثير من الجهات المسؤولة تطلب منه استقبال وفود من الخارج ترغب في رؤية هذا المنزل، و من أهم الشخصيات التي فكرت في برمجة زيارة خاصة لهذا القصر الصغير، الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي، حسبه.
و أضاف بخصوص التغييرات التي طرأت على البناية، بأن عدد الغرف تقلّص بعد فتحها على بعضها البعض، بطريقة جعلتها تعادل أربع قاعات شاسعة سيتم استغلالها في عرض تحف في فن الطرز و مختلف الحرف الأخرى، لكنه نفى ما يشاع عن وجود أشباح أو سماع أصوات مخيفة واعتبرها مجرّد خرافات ارتبطت بالبيت، كما ارتبطت بالكثير من البيوت القديمة.